الثعالبي

255

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ( 66 ) ) . وقوله تعالى : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت . . . ) الآية : علمتم : معناه : عرفتم ، والسبت مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة ، وإما من السبت ، وهو القطع ، لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها ، وقصة اعتدائهم فيه / أن الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة ، وعرفه فضله ، كما أمر به سائر الأنبياء صلوات الله عليهم ، فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل عن الله سبحانه ، وأمرهم بالتشرع فيه ، فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت ، فأوحى الله إلى موسى ، أن دعهم ، وما اختاروا من ذلك ، وامتحنهم بأن أمرهم بترك العمل فيه ، وحرم عليهم صيد الحيتان ، وشدد عليهم المحنة ، بأن كانت الحيتان تأتي يوم السبت ، حتى تخرج إلى الأفنية ، قاله الحسن بن أبي الحسن . وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء ، وذلك إما بإلهام من الله تعالى ، أو بأمر لا يعلل ، وإما بأن ألهمها معنى الأمنة التي في اليوم ، مع تكراره ، كما فهم حمام مكة الأمنة ، وكان أمر بني إسرائيل بأيلة ( 1 ) على البحر ، فإذا ذهب السبت ، ذهبت الحيتان ، فلم تظهر إلى السبت الآخر ، فبقوا على ذلك زمانا ، حتى اشتهوا الحوت ، فعمد رجل يوم السبت ، فربط حوتا بخزمة ( 2 ) ، وضرب له وتدا بالساحل ، فلما ذهب السبت ، جاء ، فأخذه ، فسمع قوم بفعله ، فصنعوا مثل ما صنع . وقيل : بل حفر رجل في غير السبت حفيرا يخرج إليه البحر ، فإذا كان يوم السبت ، خرج الحوت ، وحصل في الحفير ، فإذا جزر البحر ، ذهب الماء من طريق الحفير ، وبقي الحوت ، فجاء بعد السبت ، فأخذه ، ففعل قوم مثل فعله ، وكثر ذلك ، حتى صادوه يوم السبت علانية ، وباعوه في الأسواق ، فكان هذا من أعظم الاعتداء ، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك ، فنجت من العقوبة ، وكانت منهم فرقة لم تعص ، ولم تنه ، فقيل : نجت مع الناهين ، وقيل : هلكت مع العاصين . و ( كونوا ) : لفظة أمر ، وهو أمر التكوين ، كقوله تعالى لكل شئ : ( كن فيكون ) [ يس : 82 ] قال ابن الحاجب ( 3 )

--> ( 1 ) أيلة : مدينة على ساحل بحر " القلزم " مما يلي " الشام " . قيل : هي آخر الحجاز وأول " الشام " . وهي مدينة اليهود ، الذين اعتدوا في السبت . ينظر : " مراصد الاطلاع " ( 1 / 138 ) . ( 2 ) الخزم : شجر له ليف تتخذ من لحائه الحبال ، الواحدة خزمة . ينظر : " لسان العرب " ( 1153 ) . ( 3 ) عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس ، أبو عمرو ، جمال الدين ابن الحاجب : فقيه مالكي ، من كبار